القاضي عبد الجبار الهمذاني
61
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فأما تعلقهم بجواز التنبيه فهو أبعد مما قلناه ؛ لأنه قد يصح أن لا تعتريهم كما قد يصح طروّها عليهم أو على بعضهم ، فكيف يقال : إنه لا بد من حجة لأجل أمر قد يصح زواله ، والتكليف ثابت ، ومتى صح زواله فيجب أن يستغنى عن الحجة . وبعد فإن الشبه من قبلهم قد يصح منهم حلها بالنظر كما يصح أن يتوصلوا إلى العلم بما كلفوا بالنظر ، فإذا كانوا بتمكنهم من ذلك يستغنون به عن الحجة ، فكذلك في حل الشبهة . وبعد فإن الإمام لا يزيل الشبهة عن القلوب بفعل العلم ؛ لأن ذلك يتعذر ، فأكبر « 1 » ما يأتيه ، التنبيه الّذي قد يفعله العلماء ، وقد يحصل له من ذي قبل ، فمن أين أنه لا بد من حجة ؟ على أن الشبهة قد تجوز في العلم بنفس الحجة ، فتجب الحاجة إلى آخر ، ويلزم من ذلك ما قدمناه . على أن الشبهة تجوز على الحجة ، وإنما يختار خلافها أو يزيلها بما آتاه اللّه من الآلة ، وحال غيره كحاله ، وإن كان قد يقصر ، فما الحاجة به إلى الحجة ؟ ولا يمكنهم أن يجعلوا الحجة معصوما ، بمعنى المنع من الإقدام على هذه الأمور ؛ لأن ذلك يوجب زوال التكليف . فإن ثبتت العصمة فيه ، فمعناها أن المعلوم أنه لا يختار ذلك ، وذلك ممكن في غيره ما قدمناه . ولا يجب إذا قصر أن ينصب اللّه حجة ؛ لأن الحجة لا تزيل التقصير ؛ إذ المعلوم أن مع وجوده قد يقصر المكلف ؛ لأنه لا يضطر إلى فعل ما كلفه وإنما يدل وينبه . وما فعله اللّه تعالى من ذلك أوكد مما تأتيه الحجة . وكل ذلك يبين فساد هذه الشبه . وأما الشهوة والهوى فالتعلق بهما بعيد ، لأن مع وجود الحجة لا بدّ / من ثباتهما حتى يصح التكليف ، فإنما يكون في التعلق بذلك فائدة لو كان عند وجود الإمام يزول ذلك ويتغير .
--> ( 1 ) يصح أن تكون ( فأكثر )